عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
58
معارج التفكر ودقائق التدبر
النّصّ يجيب ببيانه على هذا السّؤال بقول اللّه عزّ وجلّ : لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ . مُنِيبٍ : اسم فاعل من فعل « أناب ينيب » أي : رجع وتاب . وبالتفكّر ندرك أنّ كلّ عبد قد خلقه ربّه منذ فطره ، على الإيمان بالحقّ في مشاعره الوجدانيّة متى أدركه ، وأعظم حقّ في الوجود الربّ الخالق البارىء وصفاته الجليلة . ثم يبتعد العبد عن مشاعر الإيمان بربّه ، متّبعا أهواءه وشهواته وزخرف الحياة الدنيا ، وقد يضلّ في تيهها وتجتاله الشياطين ، فيكون بذلك عبدا آبقا . وحين يعزم على الرّجوع إلى موطن عبوديّته الإراديّة ، ويحقّق ذلك بالرّجوع الفعليّ ، وهي الإنابة ، عندئذ يكون منيبا ، أي : راجعا إلى موطن عبوديّته الإراديّة الاختياريّة ، وحينئذ تلفت نظره آيات اللّه الكونيّة ، فتكون له تبصرة وذكرى . هذه المعاني قد أوجزها النصّ عن طريق اختيار الكلمات ذوات الدّلالات المطابقيّة ، وذوات الدّلالات اللّزوميّة التي يكشفها التفكّر والتّدبّر ، من خلال التعمق في فهم النّصّ ، بعد عرض طائفة من آيات اللّه في كونه : تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) . فما أبدع هذا البيان ، وما أوجزه وأكثره دقّة وعمقا وامتدادا . وتطبيقا لأسلوب التكامل البيانيّ في القرآن نستطيع أن نقول : إنّ كلّ نص قرآنيّ جاء فيه عرض آية أو أكثر من آيات اللّه في كونه يصلح لأن يقال في آخره : تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) فإيراده في نصّ منها يغني عن إيراده في سائرها ، ولكن لا نجعله قرآنا يتلى ، وهذا من بديع الإيجاز في القرآن القائم على التكامل في الأداء البياني .